عبد الملك الجويني
266
الشامل في أصول الدين
أن يتحرك لما قدمناه في صدر الأكوان . ولو هوت الأرض في تلك الحالة للزم من هويها أحد أمرين وهما مستحيلان : أحدهما أن يتحرك الجوهر في حال حدوثه ، وهذا متناقض في القول ، إذ الحركة زوال ، ولا يتحقق الزوال إلا فيما بقي زمانين . وإن منعنا تحركه وجوزنا مع ذلك هوى الأرض ، للزم منه أن يجامع أجزاء الصفحة السفلى أحياز الصفحة المخلوقة ، وفي ذلك تقدير جوهرين في حيز ، وهو مستحيل على مذهب القائلين بمنع تداخل الأجسام . وهذا القائل إنما يقول : ذلك على تقدير لا بد من الإحاطة به ، وهو أن الأرض الهاوية إذا أشغلت في هويتها حيزا من غير لبث فيه ، وكان شغل الحيز الذي يليه في الوقت الثاني عند ارتفاع الموانع ، فإذا خلق في الوقت الثاني الصفحة التي يغشاها منعت هوى الأرض وحدوثها . وهذا الذي قاله هؤلاء متجه ، وهو مذهبنا . فإنما نمنع تحرك الأرض لو كانت هاوية إلى جهة سفل في الصورة التي ذكروها . غير أنا ننازعهم فيما ذكروه من الامساك . فلا يمسك عندنا جسم جسما ، وإنما يبقى كل جسم ثقيل مستقرا بأن يخلق اللّه تعالى فيه أكوانا متجددة يخصصها للجهة التي هو فيها . وحكى عن الخباز « 1 » عن أبي هاشم : أنه منع خلق الجواهر على الصورة التي ذكرناها . فإنه علم أنها لو تصورت لاستحال هوى الأرض في حدوثها ، ويستحيل عنده أن تمنع ذوات الجواهر من مسبب الاعتماد ، إذ لا يمنع من مسبب الاعتماد إلا الاعتماد . وليس في الصفحة التي صورناها اعتماد يغالب اعتماد الأرض . ومما يليق بهذا الفصل ، وهو تتممته ، اختلاف بين الجبائي وابنه في أن الجواهر القليلة هل يجوز أن تقل الأجسام الثقيلة ؟ فمنع الجبائي ذلك . ولذلك شرط تتابع السكنات في معظم الأرض ليعتمد عليه ما فوقه . وأجاز أبو هاشم استقرار الجسم الكثير الأجزاء على الجسم القليل الأجزاء إذا زادت اعتمادات المتسفل تصعدا على اعتمادات المستعلي تسفلا ، وإنما بنى كل منهما فرعه على أصله . فمن أصل أبي هاشم أن الاعتمادات العلوية في بعض الأرض هي التي تقل ما فوق الأجزاء المتسفلة . ومن أصل الجبائي أن الاعتماد لا يولد شيئا ، والحركات هي التي تولد . ومن أصله أيضا منع قيام سكونين بجوهر واحد . وإنما يستمسك الجسم الثقيل بتجدد السكنات عليه . وإذا كان الجسم المتسفل أقل أجزاء ، قلّت سكناته كما قلّت أجزاؤه ، فلا
--> ( 1 ) شيخ القراء ، أبو عبد اللّه ، محمد بن علي بن محمد النيسابوري الخبازي ، حدث ب « صحح » البخاري عن الكشميهني ، شيخ نبيل ، مشاور في فهم الأمور ، مبجل في المحافل ، عارف بالقراءات . توفي في رمضان سنة تسع وأربعين وأربعمائة . وولد سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة . سير أعلام النبلاء 18 / 44 - 45 ، الوافي بالوفيات 4 / 130 ، وشذرات الذهب 3 / 283 .